ابن الجوزي
185
القصاص والمذكرين
من الجواري الخرّد ، ولا الغزل إلّا من عاشق ، ولا النوح إلّا من ثاكل ، ولا ذكر الأوطان إلّا من غريب ؛ فكذلك لا يعمل الوعظ إلّا من متقشف ، متزهد ، متورّع ، من وراء مدرعة صوف ، ونظافة « 1 » جسم ، وتقليل قوت ، / اشتغالا عن البدن بفضائل النفس كالطبيب الظاهر الحمية . فأمّا من يخرج بطينا فاخر الثياب مداخلا للسلاطين ، فكيف تستجيب له القلوب . إنّما يسمع من هؤلاء على سبيل الفرجة « 2 » كسماع الأسمار من السمّار . ولربّما كانت الصور والسمات تؤثر أكثر من الألفاظ ، وقد قيل : من لم تنفعك رؤيته لا تنفعك موعظته . وينبغي للواعظ أن يعتزل العوامّ ليكون لكلامه وقع هيبة ، لا على وجه التصنّع بالانقطاع .
--> ( 1 ) في الأصل : قضافة ، والتصويب من « تحذير الخواص » ص 273 . ( 2 ) اختصر هذا الكلام النفيس الرائع السيوطي في « تحذير الخواص » 273 .